القرطبي
57
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
عمارتها فإنه جاء بلفظ استفعل ، وهو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه إذا كان أمرا ، وطلب للفعل إذا كان من الأدنى إلى الاعلى [ رغبة ] ( 1 ) . قلت : لم يذكر استفعل بمعنى أفعل ، مثل قوله : استوقد بمعنى أوقد ، وقد ذكرناه ، ( 2 ) وهي : الرابعة - ويكون فيها دليل على الإسكان والعمري وقد مضى القول في " البقرة " ( 2 ) في السكنى والرقبى . وأما العمرى فاختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال : أحدهما - أنها تمليك لمنافع الرقبة حياة المعمر مدة عمره ، فإن لم يذكر عقبا فمات المعمر رجعت إلى الذي أعطاها أو لورثته ، هذا قول القاسم بن محمد ويزيد بن قسيط والليث بن سعد ، وهو مشهور مذهب مالك ، وأحد أقوال الشافعي ، وقد تقدم في " البقرة " حجة هذا القول . الثاني أنها تمليك الرقبة ومنافعا وهي هبة مبتولة ( 3 ) وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما والثوري والحسن ابن حي وأحمد بن حنبل وابن شبرمة وأبى عبيد ، قالوا من أعمر رجلا شيئا حياته فهو له حياته ، وبعد وفاته لورثته ، لأنه قد ملك رقبتها ، وشرط المعطى الحياة والعمر باطل ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " العمرى جائزة " " والعمري لمن وهبت له " الثالث - إن قال عمرك وليم يذكر العقب كان كالقول الأول : وإن قال لعقبك كان كالقول الثاني ، وبه قال الزهري وأبو ثور وأبو سلمه بن عبد الرحمن وابن أبي ذئب ، وقد روى عن مالك ، وهو ظاهر قوله في الموطأ . والمعروف عنه وعن أصحابه أنها ترجع إلى المعمر ، إذا انقرض عقب المعمر ، إذا كان المعمر حيا ، وإلا فإلى من كان حيا من ورثته ، وأولى الناس بميراثه . ولا يملك المعمر بلفظ العمرى عند مالك في الحبس أيضا : إذا حبس على رجل وعقبه أنه لا يرجع إليه . وإن حبس على رجل بعينه حياته رجع إليه ، وكذلك العمرى قياسا ، وهو ظاهر الموطأ . وفى صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله
--> ( 1 ) الزيادة عن أبن العربي . ( 2 ) راجع ج 1 ص 212 وص 299 . ( 3 ) مبتولة : ماضية غير راجعة إلى الواهب ، من بتله ، قطعه وأبانه .